نمط مرن:
لماذا تُفضل إيران علاقات  “الصداقة” لا “التحالف”؟

نمط مرن:

لماذا تُفضل إيران علاقات “الصداقة” لا “التحالف”؟



رغم أن الضغوط التي تتعرض لها إيران على الساحتين الدولية والإقليمية تدفعها -في معظم الأحيان- إلى تطوير علاقاتها مع إحدى القوى الدولية، أو أكثر، على غرار ما يحدث في الوقت الحالي مع كل من الصين وروسيا؛ إلا أن ذلك لا يعني أن إيران تفضل نمط “التحالفات الكلاسيكية” التي تفرض التزامات وحدودًا للحركة المتاحة أمام أطرافها. ويبدو لافتًا في كثيرٍ من الأزمات التي تنخرط فيها إيران أنها تضع سقفًا لعلاقاتها مع الأطراف الأخرى المشاركة فيها، على غرار الأزمة السورية. إذ إن التنسيق عالي المستوى مع روسيا على المستويات المختلفة لا يمنع ظهور خلافات عديدة بين الطرفين، ربما تنضج بشكل أكبر مع انتهاء مرحلة الصراع العسكري بعد تغير توازنات القوى لصالح النظام السوري. كما أن علاقاتها الاستراتيجية مع كل من الصين وروسيا لم تمنعها من الانخراط في مباحثات سرية مع الولايات المتحدة الأمريكية حول الاتفاق النووي في فرانكفورت، والتي يبدو أنه كان لها دور في التمهيد للمحادثات التي تجري حاليًا في فيينا من أجل إعادة تفعيل الاتفاق النووي بعودة واشنطن إليه بعد رفع العقوبات النفطية التي تفرضها على طهران، وعودة الأخيرة إلى الالتزام بتعهداتها فيه.

قد ترى بعض الاتجاهات أن علاقات إيران مع وكلائها في المنطقة من المليشيات المسلحة تدخل في إطار “التحالف”، لكن ذلك مردود عليه بأن مفهوم التحالف لا ينطبق على هذا النمط من العلاقات، التي يطغى عليها ما يمكن تسميته بـ”سياسة الاستتباع” القائمة على استغلال النفوذ الإيراني من أجل توجيه سياسات هؤلاء الوكلاء بما يتوافق مع مصالح وحسابات طهران في المقام الأول.

اعتبارات عديدة

ربما يمكن القول إن ثمة اعتبارات عديدة يمكن من خلالها تفسير حرص إيران على إبقاء نمط علاقاتها مع قوى مثل الصين وروسيا في إطار “الصداقة” وليس “التحالف”، ويتمثل أبرزها في:

دور التاريخ: اتبعت إيران في المرحلة الأولى بعد الثورة الإسلامية التي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي في عام 1979، مبدأ “لا شرقية ولا غربية”، وبدا أن ذلك مثّل أحد الاتجاهات الرئيسية في السياسة الخارجية الإيرانية. ومع ذلك، فإن هذا المبدأ قد لا يرتبط بتوجهات القيادة الدينية التي قادت الثورة وأسست النظام الجديد، بقدر ما ارتبط بإرث تاريخي كان له دور مهم وبارز في ضبط تفاعلات إيران على الساحة الخارجية، ولا سيما مع القوى الدولية الرئيسية.

فرغم أن العلاقات مع روسيا مكّنت إيران، إلى حد ما، من احتواء تأثيرات العقوبات الأمريكية، وساعدتها في مواجهة ضغوط دولية قوية، بل إن بعض الاتجاهات في طهران اعتبرت أن تلك العلاقات قد توفر لإيران -في بعض الأحيان- “فيتو” في مجلس الأمن، على نحو بدا جليًا في معارضة روسيا لمشروع القرار الذي سعت إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى استصداره من مجلس الأمن في 15 أغسطس 2020 من أجل تمديد الحظر المفروض على إيران في مجال الأسلحة التقليدية؛ رغم ذلك كله فإن إيران لا تنسى أن روسيا كانت، تاريخيًا، أحد مصادر تهديد أمنها القومي.

إذ لم تُسقط الذاكرة التاريخية الإيرانية قيام المدفعية الروسية، في 29 مارس 1912، بقصف ضريح الإمام علي بن موسى الكاظم في مدينة مشهد الإيرانية. كما لم تُسقط قبلها ذكرى الحربين اللتين انخرطتا فيهما كل من روسيا وإيران -في عهد القاجار- عامي 1804 و1826 وأسفرتا عن هزيمة إيران وتوقيع اتفاقيتي جلستان عام 1813 وتركمنشاي عام 1828 اللتين تم بموجبهما اقتطاع أجزاء من إيران في وسط آسيا والقوقاز.

وهنا، كان لافتًا أن معاهدة تركمنشاي تحديدًا كانت حاضرة بقوة في الجدل الذي تصاعد داخل إيران عقب الإعلان عن توقيع اتفاقية الشراكة الاستراتيجية طويلة الأجل بين إيران والصين، خلال زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ يي لطهران في 27 مارس 2021، حيث اعتبرت بعض الاتجاهات أن الاتفاقية، التي لم تنشر معظم بنودها، تؤسس لنفوذ صيني واسع داخل إيران، ربما يكون شبيهًا، في رؤيتها، بالنفوذ الذي وفره انتصار روسيا على إيران في الحربين السابقتين.

ولا ينفصل ذلك بالطبع عن الحساسية التاريخية لدى إيران تجاه الدول الغربية، لا سيما بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، وخصوصًا في ظل الدور الذي مارسته الدولتان في الإطاحة بحكومة الدكتور محمد مصدق وإعادة الشاه إلى العرش عام 1953.

توسيع هامش الخيارات: ترى إيران أن التحالف يفرض قيودًا وسقفًا للتحرك على الساحة الخارجية، وهو ما يتناقض مع المبدأ الأساسي الذي تعتمد عليها دومًا وهو توسيع هامش الخيارات المتاحة أمامها. إذ إنها دومًا تبدو حريصة على عدم الارتكان إلى خيار واحد، باعتبار أن ذلك قد يهدد أمنها واستقرارها بامتياز. ومن هنا، فإن إيران ورغم حرصها على تطوير علاقاتها مع روسيا والصين على هذا المستوى، تبدو حريصة في الوقت ذاته على تطوير علاقاتها أو على الأقل فتح قنوات تواصل مع القوى المنافسة لهما. ويبدو ذلك واضحًا في حالتي الهند والولايات المتحدة الأمريكية. فبالنسبة للأولى، كان لافتًا أن تراجع صادراتها من النفط الإيراني نتيجة العقوبات الأمريكية لم يَحُلْ دون رفع مستوى التعاون في مجالات أخرى، على غرار توقيع اتفاقية تطوير ميناء تشابهار الإيراني، في 24 مايو 2016، والذي تعتبر اتجاهات عديدة أنه يمكن أن يؤدي إلى تصاعد حدة التنافس مع كل من الصين وباكستان اللتين طورتا بدورهما التعاون الثنائي عبر ميناء جوادار الباكستاني، خاصة أن هذا الميناء يوفر للهند ميزة المرور إلى منطقة آسيا الوسطى دون العبور من أراضي غريمتها التقليدية باكستان.

أما بالنسبة للثانية، فإن العداء العلني بين الطرفين لم يحل دون فتح قنوات تواصل، خاصة في مراحل الأزمات، على غرار ما حدث في مرحلة ما قبل الوصول للاتفاق النووي في 14 يوليو 2015، بين إيران ومجموعة “5+1″، حيث مهدّت المفاوضات السرية بين الطرفين للوصول إلى هذه الصفقة، وهو ما يبدو شبيهًا بما يحدث في الوقت الحالي، بعد أن أشارت تقارير عديدة إلى أن المفاوضات التي تجري حاليًا بين إيران ومجموعة “4+1″ في فيينا بمشاركة غير مباشرة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية سبقتها محادثات سرية بين الطرفين في مدينة فرانكفورت الألمانية. وحتى في أعتى مراحل التوتر والتصعيد بين الطرفين، كانت هناك قنوات مفتوحة بينهما، مهّدت المجال أمام الوصول إلى صفقات على غرار ما سُمي فيما بعد بـ”فضيحة إيران كونترا” في عام 1986، والتي قام مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق روبرت ماكفارلين بزيارة طهران سرًا على ضوئها في العام نفسه.

سياسات الأصدقاء: يبدو لافتًا أن “أصدقاء” إيران بدورهم حريصون على تطوير علاقات قوية مع خصومها، ويتضح ذلك في حالة سوريا، حيث تحرص روسيا على فتح قنوات تواصل مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. والأخيرة تشن هجمات مستمرة ضد المواقع التابعة لإيران والنظام السوري والمليشيات المسلحة، وذلك بالتنسيق مع روسيا. وقد كان لافتًا أيضًا أن الأخيرة أعلنت على لسان وزير الخارجية سيرجي لافروف، في 18 يناير 2021، رفضها استخدام الأراضي السورية ضد إسرائيل، حيث قال لافروف إن بلاده اقترحت على إسرائيل إبلاغها بالتهديدات الأمنية الصادرة من الأراضي السورية لتتكفل بمعالجتها.

فضلًا عن ذلك، فإنه رغم أن العلاقات مع روسيا أمّنت لإيران وحلفائها، في بعض المراحل، “فيتو” في مجلس الأمن؛ فإن ذلك لا ينفي في الوقت نفسه أن روسيا، ومعها الصين، سبق أن أيدتا العقوبات الدولية التي فُرضت على إيران قبل الوصول للاتفاق النووي. كما سبق لروسيا نفسها أن عطّلت صفقة أنظمة صواريخ “إس 300” مع إيران عام 2010 بسبب العقوبات الدولية، لدرجة دفعت إيران إلى التقدم بدعوى قضائية ضد روسيا في محكمة التحكيم الدولية حتى تمت تسوية الأزمة في عام 2015.

مبدأ تغليب المصلحة: يُمثل مبدأ تغليب “المصلحة” أحد أهم المبادئ التي تعتمد عليها السياسة الخارجية الإيرانية، والتي تجعلها دومًا حريصة على عدم الاعتماد على التحالف مع قوة دولية واحدة أو أكثر. إذ إن هذا التحالف قد يقيد استخدام إيران لهذا المبدأ، خاصة في حالة ما إذا تناقضت سياسات الدولتين الحليفتين حول أحد الملفات أو الأزمات. ورغم أن كثيرًا من الدول في العالم تتبع المبدأ نفسه، فإنه في حالة إيران يكتسب زخمًا خاصًا، لا سيما أن الأخيرة دائمًا ما تضفي طابعًا أيديولوجيًا على سياستها الخارجية على غرار مبدأ “نصرة المستضعفين”، لكنها تسارع إلى انتهاكه أو تجاوزه في حالة ما إذا تناقض مع المصلحة. وقد سبق أن أشار المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي إلى مدى تأثير هذا المبدأ على السياسة الخارجية الإيرانية، عندما قال في 9 يناير 2014: “كنا قد أعلنا سابقًا أنه في أمور معينة نحن مستعدون للتفاوض مع الشيطان الأكبر (الولايات المتحدة الأمريكية) لدرء شره إذا كان ذلك مناسبًا”.

من هنا، وعلى ضوء ذلك، يمكن القول في النهاية إن سياسة “الأبواب غير الموصدة” هي سياسة إيرانية بامتياز تهدف من خلالها إيران إلى تقليص أعباء “التحالف” مع إحدى القوى الدولية أو أكثر، وعدم الوصول بمستوى العداء مع قوة أخرى إلى مستوى قد يهدد أمنها واستقرارها بشكل مباشر.